هل سأصبح ثريا إذا صليت الفجر في وقته؟

من الأفكار التي قد يجد فيها الشيطان مدخلا سهلا وسبيلا لزعزعة إيمان الناس هي أن نقول ونعتقد بأن فلان قد أكثر الله رزقه لأنه يصلي الفجر في موعده والصلوات في وقتها ويعيش على الإستقامة والتقوى فلما يسمع أحد بذلك يقوم ويجتهد في الصلوات والطاعات وممارسة كل طرق التقوى فلا يغتني ويبقى على فقره وبؤسه فيتزعزع إيمانه وبالتالي يترك كل شيء أو يصيبه نوع من اليأس والإحباط وقد يدخل ربما في دوامة من الإكتئاب الحاد والأمراض النفسية أو يقع في نفسه شيء من سوء الظن بالله أوالشك في صحة وقوة التعاليم الدينية.

إذا هل سأصبح ثريا إذا صليت الفجر في وقته  و داومت على العبادات والصلوات؟ 

نعم بالطبع ستصبحا ثريا وستمتلئ كل بنوكك بالعملة الصعبة لكن هناك في الآخرة التي عملتها الصعبة هي الحسنات، فأنت حين تصلي وتتصدق وتزكي وتقوم بأعمالك الصالحة فأنت تكدس ملايير الحسنات في بنوك الآخرة التي ستحتاج أن تسحبها من صرافك الآلي في الآخرة وليس هنا في الدنيا.

إذا يا عزيزي لا تثقل على نفسك أبدا 

ولا تنظر إلى ما متع الله به الآخرين من زهرة الحياة الدنيا ليفتنهم فيه.

قال تعالى "وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ"

قال مجاهد : "أزواجا منهم" يعني الأغنياء.

فالله تعالى يقول للنبي: لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم ونظراءهم وما هم فيه من النعم فإنما هي زهرة زائلة ونعم حائلة لنختبرهم أيكفرون أن يشكرون.

وعن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله من زهرة الدنيا " . قالوا : وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟ قال : " بركات الأرض " .
وقال قتادة والسدي : زهرة الحياة الدنيا ، يعني : زينة الحياة الدنيا .

بل إبق على إيمانك وصلاتك وصيامك 

وتهيأ لما تخبئه لك ا
لأيام وكن مستعدا لما جرت به المكاتيب والأقدار، واعلم أن جزاء ما تقوم به من أعمال سيكون هناك في الآخرة، فالدار الآخرة هي دار الجزاء الأوفى ولمن أحسنوا الحسنى وزيادة وأنها دار العقاب لمن أساء وتكبر واغتر ولم يتواضع ولم يشكر لله نعمه وأفضاله فكن يا عزيزي على حذر من خطاب الفتنة المعاصر ولا تجعل موضة التحفيز وكلام الكوتشات وإلقاء اللوم على بسطاء الناس بأنهم هم سبب فقرهم وهم سبب كل العاهات في المجتمع توقعك في فخ الحسابات والنتائج الحتمية وأنك فاشل لأنك لم تتمنى المال والثروة ولم تفعل كذا وكذا.. ولم تكد وتجتهد، وكأن الكد والكدح والإجتهاد جعلوا من الحمار ينام على سرير من ذهب.

 يا صديقي والله هؤلاء أغلبهم تجار كلام يبيعون للناس خطابا كأنه أنواعا فارهة من المخدر والحش×يش الفاخر والمهدئات الطبية التي تقلب مسار فكرك واعتقادك دون أن تدري.

كن واعيا وصادقا وواضحا يا عزيزي فلا تيأس من حالتك ولا تغتر بوضعك المادي فلو كان الأمر كما يقولون لما افتقر محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام وهم خبراء التجارة والمال وأشرف من وطأت أقدامهم الثرى.

فقد كان يأتي الرجل يشكو إلى رسول الله الجوع 

وقلة الزاد رابطا على بطنه حجرا فيجدوا أن النبي الكريم قد ربط على بطنه حجرين آمرا إياهم بالصبر وعدم الشكوى، فلم يلمهم لا على تقصير في العبادة ولا على تضعضع في الصلوات ولا أنهم هم المسؤولون على فقرهم لأنهم ما كدوا واجتهدوا.

ثم ما بال هؤلاء الناس بكل جرأة ووقاحة على الله أصبح كل كلامهم وديدنهم حول أن الطاعة والعبادات هي مفتاح الثراء والغنى؟؟ بل ويلومون ويعاتبون الفقراء أنهم هم المسؤولون عن ما هم فيه من فقر ونقص في المداخيل، وَيْ كأنهم هم من يَقْسِمون أرزاق الله بين عباده.

فهم من جهة يرفعون من مقام الأغنياء وجعلهم في مرتبة التقوى، ويحتقرون وينتقصون من مقام الفقراء ويتهمونهم بأن الله يعاقبهم على مساوئهم وخطاياهم.

أولا علينا أن نفهم أنه لا يجوز بتاتا وبأي حال من الأحوال أن نزكي على الله أحدا مهما رأينا ما كان منه من تقوى واستقامة وأن الله أنعم عليه بالغنى جزاء لتقواه..

 لا لا يجوز القول بذلك، فهذه أم العلاء تشهد لمن شهد بدرا ومات شهيدا بأنه في الجنة فيقول لها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم و ما يدريكِ؟ والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل بي ولا بكم. فقالت أم العلاء فوالله لا أزكي أحدا بعده.

فالذين يعتقدون أن الله قد أغناهم ورزقهم من فضله الواسع وسهل أمور حياتهم لصلاتهم وصيامهم وتقواهم قد وقعوا في المن على الله وأصابهم غرور التقوى والصلاح وهذا أخطر من المعصية. فرب طاعة أورثت كبرا وغرورا والتباهي على الناس فكان جزاءها النار ورب معصية أورثت ذلا وانكسارا في القلب وخشوعا لله فكان جزاءها الجنة كما في قول ابن عطاء الله السكندري.

المال ابتلاء والفقر ابتلاء ولا فرق

يقول الله تعالى :

" فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن"

أرأيت؟ أقرأت؟ أسمعت؟

يقول ابتلاه..

بالرغم من أنه أكرمه ونعمه جعل سبب ذلك أنه ابتلاه لينظر أيشكر العبد بعدها أم يكفر.

فالنعم ليست تشريفا ولا رفعا للدرجات بل هي امتحان في الدنيا واختبار وابتلاء.

فسليمان عليه السلام رغم الملك الأسطوري الذي وهبه الله عز وجل إياه قال عليه السلام :

{هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُر}

فكل هذا الملك والهيلمان ما هو إلا ابتلاء من عند الله لعبده النبي سليمان.

وأما الطرف الثاني الذين يعتقدون أن الله لن يرزقهم ويسهل أمور حياتهم إلا إذا أكثروا الصلوات والعبادات وتمسكوا بطريق الإستقامة فهم لا يعلمون أن الله قد أمرك بالتقوى والصلاح على جميع أحوالك وكيفما كانت أحوالك فأنت في هذه الدنيا معرض لجميع أنواع الإبتلاءات من فقر ومرض وظلم وأذى وشماتة وجوع حتى وإن كنت أتقى الأتقياء، فإن كان في قسمتك وقدرك ونصيبك إبتلاء عظيم فعليك أن تبقى صامدا مؤمنا مطيعا لله في جميع أوامره حتى وإن قصفوا بيتك بالطائرات وذبحوا أولادك أمام ناظريك وانهار كل شيء من حولك فهذا لن يعذرك أمام الله إن تخليت عن إيمانك.

إذا فأنت مطالب بالإيمان والعمل سواء كنت ثريا أو فقيرا 

أو تعاني من مرض أو عاهة أو من أي ابتلاء فلا علاقة لكل ذلك بما في أفكارنا وأحكامنا الجاهزة على الناس.

"ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين"

لم يقل المؤمنين الأغنياء ولم يقل الأتقياء الأثرياء ولم يقل الصائمين والمصلين بل جعلهم أعظم منزلة بكثير من كل هؤلاء ألا وهي منزلة "الصابرين"

الصبر على الفقر والجوع وشظف العيش 

الصبر على الخوف والإضطراب والقلق من حالة الضعف والهشاشة التي يعيشونها، الصبر على قلة الزاد والطعام والحرمان من ما لذ وطاب من نعيم هذه الدنيا، الصبر على الإفتقار إلى البيت والسكن والدابة التي تعينك على وعثاء السفر ووعورة الطريق، الصبر على المرض والإعاقة والداء المزمن.

إن الله يزف إليك البشارة في أعظم كتاب أنزله "وبشر الصابرين" بل جعل لهم من ربهم صلوات ورحمة وبشارة جزاء صبرهم على كل هذا وعلى أي مصيبة تصيبهم حين قولهم إنا لله وإنا إليه راجعون.

في الصحيح : "أن عمر بن الخطاب لما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه متوسدا مضطجعا على رمال حصير وأهب معلقة ، فابتدرت عينا عمر بالبكاء ، فقال رسول الله : " ما يبكيك ؟ " . فقال : يا رسول الله ، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه ، وأنت صفوة الله من خلقه؟ فقال : " أَوَفِي شَكٍّ أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عُجِّلَتْ لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا."

 ورغم كل ما سبق 

فهذا لا يعني أنك لا تفكر في حياتك وتحاول العمل على تحسينها والسعي طلبا للرزق وبحثا عن الثراء الحلال، بل على العكس فالمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف لكن الذي عليك أن تفهمه هو أنه لا حتمية في الوصول، والله ما وعدك بأنه سيعطيك الثروة.. بل لن تنال إلا ما قسمه لك ومهما كان نصيبك في الدنيا عليك أن ترضى وتطمئن به فهو أنسب وأجدى وضع تعيش فيه والله غالب على أمره وهو أحكم الحاكمين.


هل سأصبح ثريا إذا صليت الفجر في وقته؟ هل سأصبح ثريا إذا صليت الفجر في وقته؟ بواسطة جدل حي في يونيو 08, 2025 تقييم: 5

ليست هناك تعليقات:

صور المظاهر بواسطة mammuth. يتم التشغيل بواسطة Blogger.